قال عمر بن الخطاب

من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن

قال حكيم من الحكماء

أربعة توصل إلى أربعة: الصبر إلى المحبوب، والجد إلى المطلوب، والزهد إلى التقى، والقناعة إلى الغنى

قال زيد بن علي

ولا تستعينوا بنعم الله على معاصيه

قال أحد الأدباء

مهما يكن احتفالنا بيوم الفراق، واغتباطنا ساعته؛ فإن الفراق لا بد أن يترك فيما بعد كما هائلا من الوحشة

قال حكيم

كن بعيد الهمم إذا طلبت، كريم الظفر إذا غلبت، جميل العفو إذا قدرت، كثير الشكر إذا ظهرت

في صدفة اللقاء - القصة القصيرة

بقلم: أحمد سترياوان هريادي
من يا ترى يقدر على أن يتخلى عن طموحه ورغبته؟ أبدا.. بل إنهما يتجددان كما تتجدد الأيام، وما أقبل يوم جديد إلا وقد وجدت فيه النفس شيئا تطمح إليه وترغب فيه، كأنما لم يعش الإنسان إلا لبلوغ ذلك الطموح، وكأنما لم يخلق إلا لإشباع تلك الرغبة.    
والإنسان، أمام سيطرة هذا المظهر الذي فرضه عليه إنسانيته، لم يسعه إلا الخنوع والإذعان له، ولم يستطع أن يفعل شيئا غير التفكير في طموحه ورغبته.. كيف بلوغه، وكيف إشباعها، أو على أقل تقدير كيف الدنو منهما.. ثم يلي هذا التفكير شيء آخر ألا وهو أضحكٌ بعد هذا الطموح وتلك الرغبة أم بكاء؟ لا أحد يدري.. فكيف إذا أزمع الطموح والرغبة على البقاء في دنيا الخيال حتى أصبح بلوغه أو إشباعها يستحيل أو يكاد يستحيل؟       
قد تكون الخطى حاسمة، وقد تكون العزائم قوية، غير أن الشجاعة على صيرورة ما طمح إليه وما رغب فيه حقيقةً - ما زالت تتردد بين ما فكر وبين ما رأى.. أجل، إنه يرغب فيها ويطمح إلى أن يصبح لها حبيبا، ولكنه عاجز أيما عجز عن أن يحدثها عما أضمر لها من حب وحنان، فإن لقاءها في المواصلات العامة -عندما يذهب إلى الكلية- يكثر ويدوم، وإذا هذا اللقاء الكثير الدائم يسوقه إلى وضع غريب صعب عليه تفسيره، فإذا طيف من ابتسامات تلك الصبية الفطانية حينما يحدق إليها في خفاء تام لم يمكنه إلا أن يبتسم ابتساما هادئا فيه شوق بالغ إلى الحديث معها.
وبعد مرور الأيام سمح له القدر أن يهتدي إلى اسمها عن طريق إسماعيل، صديقه من ولاية «فطاني» بجنوب تايلاند. «نايا».. نعم، تلك الصبية الطويلة القامة اسمُها «نايا».. غير أنه يؤسفه أن يعرف أن «نايا» هذه قد حرمتها نتيجةُ امتحان قبولها من الالتحاق مباشرة بالكلية، ولا بد من أن تأخذ سنة كاملة لتعلم اللغة واجتياز مستوياتها العشر في مركز «الشيخ زايد» للغة العربية بجامعة الأزهر، أما هو فقد نجح في امتحان قبوله، والتحق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالحي السادس بمدينة نصر، الكلية المشهورة لدى الطلبة الوافدين بمدينة البعوث الإسلامية -وهي السكن الرسمي للوافدين بالأزهر- بكلية الرجال، التي تقع بجانب مركز الشيخ زايد.     
*         *         *
لقد مر به ستة أشهر وهو يبقى على حاله لا يهتدي سبيلا، يبقى فاقد الشجاعة على أن يتعرف إليها، فضلا عن إخبارها عما أضمر لها، يبقى ساخطا على نفسه، مغرقا في بحر الندم بعدما عاد إلى سكنه في مدينة البعوث، إذ فاتته الفرصة لتعريف نفسه إياها. أجل، إن التاج الأزهري على رأسه أكبر من ذلك كله، وأقوى لأن يمنعه من الحديث معها مهما التهب طموحه، ومهما احترقت رغبته. 
قال له صديقه «فكري» في صوت هادئ ملؤه الإشفاق عليه:
-«يا فهمي، إلامَ تبقى على هذه الحال؟ أما تخاف أن ستندم في يوم من الأيام، حيث لا تجد «نايا» سبيلا إلى أن تعرف ما بك؟».
لم يسع فهمي إلا أن هز رأسه يمينا وشمالا، وحينئذ أمره ما زال في التباس لما يدرِ له مذهبا، ومثل هذا الوضع بلا شك كثيرا ما يقعد اللسان عن الكلام.. فلما أزمع فهمي على الصمت أضاف فكري:
-«أما يكفيك ما تعرضت له هذا يا صديقي؟ وإني لأرى -إذا لقيتها غدا أو بعد غد- أن تتعرف إليها».
أخذ فهمي يحدق إلى فكري فرد عليه بهذا الرد القاطع:
-«أبدا..!».
تبين لفكري من رده الحاسم أن صديقه هذا في حيرة لا تبارى، وفي اضطراب لا يباهى، وأن اضطرابه وحيرته يجعلانه أكثر حساسية، ثم بدأ السكون يلمّ بهذين الصديقين حينا من الوقت.. بعد هنيهة قال فهمي مهددا:
-«فلتعلم يا صديقي أني لن أتعرف إليها مهما تكن الظروف، وأني سأحاول ما وسعني ألا ألقاها إلى الأبد! فبدءً من هذا اليوم «نايا» بالنسبة لي لا تعود توجد في عالم الوجود.. وأنت يا صديقي، أسألك على طريق التوكيد ألا تذكر اسمها بين يدي! فإني لم آت تاركا أهلي وجزيرتي الصغيرة إلا لأتعلم، وإني لا أريد أن سأرى نتيجة امتحاناتي في السنة الثانية هذه وأنا عليها ساخط نادم..».
*         *         *
أوشك أجل الفصل الدراسي الثاني أن ينقضي.. أخذ الطلبة يعدون لاستقبال امتحانات الفصل الدراسي الثاني كل ما يمكنهم إعداده، وأخذوا يحملون أنفسهم لمواجهتها كل أنواع المشقة والعناء.. وفهمي في هذا الأمر كجميع الطلبة، في مشقة شاقة وفي جهد جاهد، بل ربما أكثر منهم مشقة وأكبر منهم جهدا، أخذ يعيد ترتيب غرفته حتى يذاكر دروسه وهو في منتهى من الاطمئنان وراحة البال، وحتى يتخلى مع مذكراته وهو في قمة من التركيز والمصابرة، ثم جعل يحدد حياته خلال فترات الامتحان بين مكانين، المسجد وغرفته.. أما «نايا» -تلك الصبية التي ملأ بالغُ جمالها وروعةُ حسنها عينَه وقلبَه- فأصبحت نسيا منسيا. 
أقبل فهمي على تلك الامتحانات الصعبة مشرق الوجه باسم الثغر، وكيف لا يكون له ذلك فهو في كمال الثقة، وفي تمام الاستعداد، فكلما انتهى من إجابة الأسئلة لم يخرج من قاعة الامتحان إلا وأمارات الارتياح في وجهه تنجلي واضحة وضوح الشمس في منتصف النهار، جميلا جمال الأزهار في بهجة الربيع.
فلما فرغ من امتحاناته كلها أقبل على إجازة الصيف الطويلة راضي النفس مرتاح البال، فبدأ يعيش حياة جديدة يعلوها الجد والكد، ولم يعد يشغله أمر «نايا» من شيء، إذ نجح في الابتعاد عنها منذ اعتزم على أن يقطع ما بينه وبينها من أسباب، فبدلا من أن يركب الحافلة العامة حيث لقاؤه الدائم إياها، أخذ -مهما تكلفه زيادة الأجرة- يركب الميكروباص من مدينة البعوث إلى «الدويقة»، ثم يركب الميكروباص الآخر من الدويقة إلى الحي السادس حيث كليته..
وأما «نايا» فأمرها مختلف كل الاختلاف، فلما أخذ طلبة الكليات يخوضون في إجازة الصيف، إذا طلبة المركز ما يزالون مغرقين في أنشطتهم في مركز اللغة، هنالك بلغت «نايا» أعلى المستوى، ومعنى ذلك أنها ستصبح بعد قليل طالبة جامعية بمعناها الحقيقي، وأنها لا تعود تدرس في الحي السادس، وإنما ستدرس في «أول السابع» حيث معقل كلية البنات. وقد أزمعت «نايا» على أن تلتحق بقسم اللغة وآدابها بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات.
وشأن فهمي بالنسبة لها مجهول تماما، فهي حينما تركب الحافلة العامة لم يسعها إلا أن تغض من بصرها.. نعم، قد تتداعب «نايا» قليلا مع صديقاتها، غير أن تداعبهن في هدوء بالغ حتى لا يكاد يبين، فما كان لها إذن أن تعرف أن هناك من يحدق إليها في خفية، بل ما كان لها إذن أن تفكر في ذلك، فإن ما تعرضت له من حرمان الالتحاق مباشرة بالكلية جعلها تعي أنها لا بد من أن تمعن اهتمامها كله في ترقية مستواها العلمي واللغوي.
*         *         *
قاعة بيت إندونيسيا بمنطقة رابعة العدوية في ذلك المساء ملأى بالناس، إذ أقام اتحاد الطلبة الفطانيين حفلا كبيرا بعد انتهاء امتحان الفصل الدراسي الثاني.. وهذا الأمر غريب حقا.. وكيف لا! فإن ذلك البيت الكبير كان من المتوقع أن يعمره الطلبة الإندونيسيون بشتى أنشطتهم العلمية والاجتماعية، وإذا هم في عزوف عن تعميره، وإذا طلبة الدول الأخرى أكثر له تعميرا، وإذا أنشطة طلبة الدول الأخرى فيه تكثر وتدوم، لقد أخذ الطلبة الفطانيون نصيبهم الأكبر في تعمير ذلك البيت.. ولم تكن «نايا» يفوتها ذلك الحفل الكبير. 
فلما همت أن تنصرف بعد انتهاء الحفل إذا صوت رخي مألوف لها يأتيها:
-«ما فعل فهمي؟».
هنالك التفتت «نايا» صوب الصوت، وإذا صاحب الصوت هو نفس من توقعتْه.. إنه إسماعيل.. صديقها منذ نعومة أظفارها.. وحينئذ أخذت تنظر إلى إسماعيل بوجه فيه حيرة وارتباك من ذلك السؤال الغريب، فقالت:
-«فهمي؟».
-«نعم، فهمي!».
-«ومن فهمي؟ وما له؟ وما علاقته بي؟».
هنالك اهتز إسماعيل اهتزازا كاد لا يصدق ما رأى.. لقد اتضح له خلاف ما كان يتوقع من أمر صديقته مع فهمي، وقد كان يظن أنهما على صلة فتفاهمٍ فارتباطٍ شعوري فعقدٍ مشروع.. وإذا «نايا» لم تعرف من أمر فهمي شيئا، بل لم تعرف فهمي نفسه.. حينئذ أخذ إسماعيل يسائل نفسه: إذا لم يكن ما كنت أتوقع، فلأي شيء كان اشتغال فهمي بأمر «نايا»؟
ثم بدأ يخبرها بما كان عليه فهمي جملة وتفصيلا..
*         *         *
وقعت تلك الصبية في شيء من التردد، إذ تبلور في نفسها كل من فرح وحيرة ورغبة في الاستطلاع.. نعم، أفرحها أن هناك شابا أُعجبَ بها سرا، وحيّرها أن هذا الشاب بات فاقد الجرأة على تعريف نفسه إياها، مع أنه -كما حدثها إسماعيل- في منتهى الطموح إلى أن تكون بينه وبينها أسباب، وفي رغبة ملحة في أن يكون على صلة بها.. أما رغبتها في الاسطلاع فلأن نفسها الحائرة ألحت عليها أن تستطلع أمر ذلك الشاب؛ كيف هو؟ ثم كيف أخلاقه؟ ثم كيف... الخ.           
أصبح تردد «نايا» يزداد التصاقا بها حتى يكاد يسيطر عليها، واستمرت هي على هذه الحال إلى أن تخرجت في مركز اللغة، فبدأت تشغل أيامها بأمر التحاقها بالكلية، وأخذت تعد الأوراق المطلوبة لتقدمها إلى مكتب تنسيق القبول بالحي السادس حيث إدارة الجامعة..
على أنها فيما بعد تلقت صعوبة بعد صعوبة، إذ طفقت الإجراءات الإدارية تلتوي عليها وتتعقد، وأخذ الموظفون في ذلك المكتب يضيقون عليها فيجعلون الشيء البسيط السهل صعبا معقدا، فبدلا من أن تنتهي الإجراءات في يوم واحد أخذوا يجعلونها في أيام بل في أسابيع، ولم يسع «نايا» إزاء تلك الصعوبات الثقال إلا أن تبكي في زاوية إدارة الجامعة وحيدة، ولم يسعها إلا أن يغرق في البكاء لما علمت أنها مقيدة بقسم أصول الدين، لا قسم اللغة العربية وآدابها الذي تمنتْه، فأصبحت كأنما ظلام حالك ألمّ بها من كل زوايا الحياة..
أجل، إنها لفي صعوبة جديدة أكثر تعقيدا والتواءً، فهي إذن لا بد من النهوض فورا بأن تتخطى تلك المشكلة قبل أن تنقل أوراقُها إلى كلية البنات، فلما همت أن تنهض بأعبائها إذا هي تتذكر صديقها الحميم إسماعيل، وإذا هي تقرر أن تستعين بصديقها على تخطي مشكلتها.. وفعلا، بدأت عملية الإجراءات تتقدم تقدما ملحوظا منذ مد إسماعيل يده لها، فانتهت هي من كتابة طلب تحويل القسم إلى رئيس الجامعة، وكذلك انتهت من دفع رسم تحويل القسم قدره مائتا جنيه مصري.   
أخذت مظاهر الفرح تشع مشرقة في وجه تلك الصبية فتزداد وسامتها أضعافا مضاعفة، فإذا كلمة الشكر لا تكاد تنقطع من لسانها نحو صديقها، وإذا إسماعيل لم يمكنه إلا أن يبتسم ابتسامة ملؤها الهدوء إزاء ترديد كلمة الشكر من صديقته.. بينما «نايا» مغرقة في ذلك الفرح هنالك خطر ببالها أمر فهمي، ذلك الشاب الذي أفرحها وحيّرها ورغّبها في الاستطلاع في تلك الآونة الأخيرة، فأخذت تسأل إسماعيل عنه، بيد أن إجابة صديقها لم تكن تعجبها، فاعترف لها إسماعيل أنه لم ير فهمي إلا نادرا، ولم يسعه إلا أن يقول لها:  
-«ما لقيته منذ فرغنا من الامتحان».
فقالت «نايا» في صوت خافت فيه حزن وخيبة أمل:
-«حسنًا!».
ثم أخذا يوجهان خطاهما نحو خلف كلية التربية حيث المحطة، فبينما هما مغرقان في ترقبهما الحافلة العامة، جعلا يسدان الفراغ الفارغ بتبادل الأحاديث.. فسألت «نايا» صديقها:
-«ما فعلت في الامتحان؟».
-«ظهرت نتيجة الامتحانات بالأمس، وأنا -والحمد لله- حصلت على تقدير جيد..».
-«أما فهمي، فما فعل؟».
-«أنا آسف جدا يا صديقتي، فإني لم أهتد إلى إخبارك عما فعله فهمي  في أول وهلة، والحق أني شديد الإعجاب به وعظيم الإكبار له.. ألا تعلمين أنه الوافد الوحيد الذي حصل على تقدير الامتياز في كليتنا..».
هنالك أخذ الصبيةَ ما سمعتْه آنفا كل المأخذ، فما لبثت أن باحت دلائل الإشراق من احمرار وجهها البهي، وأن تراكم في نفسها مشاعر الإعجاب له والفخر به والإشفاق عليه.. وكيف لا! فإن الذي أُعجبَ بها سرا وأضمر لها حبا وحنانا، هو شاب مجتهد مثالي صعُبَ العثورُ على مثيله بين الطلبة.. ثم بدأت تلك المشاعر تدفعها إلى رغبة ملحة في رؤية ذلك الشاب بعينيها، فلما انغمست «نايا» في بحر خيالها وفي وجهها ابتسامة حلوة هادئة، إذا إسماعيل فجأها بقوله:
-«ما لي أراك لا تنقطعين من ابتسامتك؟ هلمي نركب! إن الحافلة قد أقبلت..».
-«أجل..».
فلما أمعنا النظر حولهما بعد ركوبهما، إذا مقاعد الحافلة كلها ملأى بالراكبين، فلم يسعهما إذن إلا أن يقفا، ثم أخذا مرة أخرى يتبادلان الأحاديث، فلما همت «نايا» أن تبدأ حديثها إذا إسماعيل سبقها فجأة، فقال مشيرا سبابته نحو فتى خرج من بوابة الجامعة الرئيسة:
-«فهمي..! فهمي خارج من البوابة!».
-«حقا؟ أيهم فهمي؟».
-«ذلك الشاب الطويل القامة الذي يرتدي بدلة، داخلها فنيلة فريق "ريال مدريد"..».          
هنالك أخذ مرة أخرى الصبيةَ ما شهدتْه وما سمعتْه في وقت واحد أيما مأخذ.. أجل، أخذها ذلك المشهد الرائع فاضطر لسانها إلى العجز عن وصف مزاياه، إذ وجدت في تلك اللحظة الكلمات تتورط أمام بحار المعاني فلا يسعها إلا الصمت، والحركات لا تجدي من شيء فلا يسعها إلا السكون.. وملكها ذلك المشهد الرائع فانبثق في أعماق نفسها فجر الرجاء والأمل، وإذا قلبها المتجمد يذوب قليلا قليلا من انبساط نور ذلك المشهد الذي أنار سماءها وملأ فضاءها، وإذا شعورها النقي يطير بها إلى عالم علوي حيث الأنس والشفوف، وحيث الرضا والاطمئنان..
أجل، إنها لفي يوم ربما من أسعد أيام حياتها،  إذ تتابعت عليها في ذلك اليوم سلسلة من الفرح والسرور، وكيف لا! فقد فرغت من إجراءاتها، وقد كانت قبل ذلك تكبّلها بسلاسل المشقة والصعوبة والعناء، واستطاعت أخيرا أن ترى وجه ذلك الشاب وقد كانت نفسُها قبل ذلك تلتهب رغبةً في رؤية شاب انبهر بها.. لا، بل العكس! ذلك الشاب الذي بدأت هي تنبهر به وتضمر له شوقا وحبا.
*         *         *
-«إلى أين يا فهمي؟».
-«إلى مركز الأزهر للمؤتمرات بمدينة نصر، حيث حفلة الدولة بليلة القدر، وحيث الكلمات الغالية المترقبة من كبار العلماء.. وأنت، إلى أين يا فكري؟ أكبر الظن أننا في اتجاه واحد..».
-«بل إلى مقر اتحاد الطلبة الإندونيسيين برابعة العدوية! يؤسفني أن لي هناك حاجة ملحة يجب علي قضاؤها فورا.. فلو لا تلك لما تخلفت عن الحضور معك..».
اتجه فهمي خفيف الخطى نحو مركز المؤتمرات بعد نزوله من الحافلة.. ثم حاول ما وسعه -لحظة وصوله- أن يجلس بالقرب من المنصة، آملا أن تكتمل الاستفادة وتتمكن، وعندما ابتدئ الحفل أخذ يصغي إلى المحاضرين في المنصة بكل اهتمامه.. وهكذا دأبه، فهو مولع دائما بالعلم، عظيم الحرص عليه، شديد الشغف على مقابلة أهله والإصغاء إليهم.. نعم، لقد صدق عزمه، ومضى مهما يكن الطريق شاقا عليه -وعلى مشاعره خاصة- في أن يقطع ما بينه وبين «نايا» من أسباب.. وحقا! لقد نجح في ذلك نجاحا ملحوظا.. أضف إلى ذلك أن ألمَّ به اليأسُ من حبها، وأن استيقن أن في حبه من طرف واحد -أي طرفه هو- لضررا عظيما عليه وعلى تركيزه، فلم يكن له سبيل إذن إلا أن أعرض عن ذلك الضرر ليغرق بنفسه كلها في نشاطه الأكاديمي، لا يقصر فيه ولا يصرفه عنه شيء، فأصبح شغله الشاغل -وعليه أيامه كلها- منذ فرغ من امتحان الفصل الدراسي الثاني هو حضور مجالس العلم بالجامع الأزهر، ثم حضور الندوات العلمية والأدبية التي أسهم فيها كبار المثقفين المصريين بساقية عبدالمنعم الصاوي، ثم إذا تخلى عن هذا أو ذاك، أقبل على القراءة والبحث..  
هنالك جرى الحفل الذي عقد في قاعة الأندلس بمركز المؤتمرات على ما يرام، فلما انتهى أقبل معظم الحاضرين على المتحدثين في المنصة ليتصافحوا معهم أو ليلتقطوا صورة جماعية. أما فهمي فجنح إلى الانصراف، حيث إن هناك موعدا مهمًّا يترقبه في مدينة البعوث فلم يمكنه إذن أن يفعل ذلك، بيد أن خطاه -عندما أوشك أن بلغ باب القاعة- توقفت فجأة، هنالك استوقفه ما رأى، فأخذه لا محالة كل المأخذ، ولم يستطع إلا أن يتحجر مليا، ليدع روحه تأخذ نصيبها من المتعة والحيرة في وقت واحد.. إن بين يديه صبية جميلة مألوفة له، رآها تحدق إليه كما يحدق إليها، كأنما همّها واستوقفها نفس الشيء الذي همّه واستوقفه.. أجل، إن فهمي و«نايا» التقيا في صدفة عجيبة لم يكن يجد كل منهما إلى التفكير فيها سبيلا.. []
 
مدينة البعوث الإسلامية، 20 يناير 2015م

لم هذه المفارقة؟

بقلم: أحمد سترياوان هريادي

أنا كمسلم، لم يكن يؤلمني فينقبض صدري انقباضا، ولم يكن يوجعني فيحيط بي الأحزان إحاطة، كما يؤلمني بالغ كلفنا بالمفارقة في أتفه الأمور شأنا وأخفها وزنا، وكما يوجعني ما يتلو تلك المفارقة الباغية من عنف الاختصام دائما، ثم بشاعة الاقتتال أحيانا. وما أظنك إلا تشعر بما أشعر..

لم هذه المفارقة؟ لم هذه المغالاة في حب المفارقة؟ إني لأتصور وضعنا الراهن السقيم، أننا لو أن ليس لنا سبب المفارقة لاخترعناها اختراعا، حتى يكون بعضنا في واد وآخر في واد، حتى تكون لفئة منا راية ولأخرى راية.

وإني لمعجب أيما إعجاب عندما سعمت قولهم إن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا، مع أن النبي العربي قد حاول اصطناع أسباب الوحدة ودواعي التآلف ما وسعه، وجاهد كل المجاهدة في سبيل محو الفروق وإزالة المفارقة.

ومن يتأمل سبب نزول قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله» مثلا، أو مضمون خطبة الوداع؛ لألفى نفسه في مزيج من الحزن والسخط لما أمعن نظره في أوضاع حياتنا الدينية السقيمة المؤلمة، فضلا عن الحياة السياسية والاجتماعية.

وأنا مع بالغ جهلي وقصوري، أعلم علم اليقين أن كل من يوحد الله تعالى ويؤمن برسالة محمد، أصبحت نصرته وموالاته وحمايته -كما قال العلامة الأستاذ محمد الغزالي- دِينًا، أي فرضا على كل مسلم مهما يكن أصله وجنسيته ومذهبه وانتماؤه.

إلا أننا آثرنا أن يكون ذلك القانون السماوي يبقى حبرا على ورق، بدل أن يكون واقعا يحقق، وحياة تعاش. وأحببنا أن يكون أكبر همنا هو كيف أفارق أخي المسلم ما استطعت إلى المفارقة سبيلا، كيف أبرر أني على هدى وبصيرة وأخي المسلم على ضلال وعمى.


الحي العاشر، 11 يوليو 2015م  

   

في ذكرى مجلة الرسالة

وا رسالتاه!

لم يحزن الأدب العربي الحديث كما حزن لفراق «الرسالة» إياه إلى الأبد، ولم يفجع فجعا يزعزع حياته كلها، ثم يقعده عن أداء رسالته حق الأداء - كفعجه لموتها..

وكيف لا يحزن حزنه هذا، وأنى له لا يفجع فجعه هذا، فقد عاشت حياتها كلها لخدمته، فلم يجد فيها من تقاعس وتقصير، ولم يعرف منها إلا إخلاصا ووفاء في وقت تشتد الحاجة فيها إلى النفاق والخيانة، ولم ير فيها إلا عفة وإباء في وقت يستوجب فيه الوضعُ الضراعةَ والملقَ.

أجل، لقد حاولت «الرسالة» ما وسعها أن تبقى مقدامة في ميدان الجهاد الثقافي، وصامدة على قدم وساق في مكافحة الفتور الأدبي، وفي مناضلة الأمية الأدبية، وحاولت ما أتاحت لها قوتها أن تظل طامحة إلى تحقيق أهدافها الجليلة، وسائرة على دربها حتى تبلغ غايتها المنشودة؛ وغايتها -كما قال مؤسسها في عددها الأول بتاريخ 15 يناير 1933م- هي «أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهْرجَ الأدب بتثقيف الذوق، وحيرةَ الأمة بتوضيح الطريق».

ولكن لكل أجل كتابا، ففي 23 فبراير 1953م أصدر الأستاذ الزيات آخر عددها، وبهذا العدد فارقت «الرسالة» الدنيا إلى الأبد، وتحولت إلى الذكرى بعد أن ملأت الدنيا وشغلت الناس.

لقد شاهد الناس كيف ظهر على منبرها عباقرة الأدباء، وجهابذة النقاد، وفحول الشعراء. ووجدوا في ظلالها كيف ارتبط القديم بالحديث. وعرفوا من خلالها ما كان للشرق من صلة متينة في الحياة الأدبية والفكرية بالغرب.

منها جمع الأدباء مقالاتهم فكانت كتبهم الشهيرة، والشعراء أشعارهم فكانت دواوينهم النفيسة، وحسبك أن ترى الأدب العربي الحديث قد بلغ بسببها أعلى ما يسع الأدبَ أن يبلغ، ونال بفضلها أوفر ما يمكن الأدبَ أن ينال. 

مدينة البعوث الإسلامية، 30 يناير 2015م

أحمد سترياوان هريادي

عن المرأة أيضا

لا تكون للمرأة قيمة إذا لم تكن صادقة أمينة فيما تفعل وفيما تقول، فأخبرني ما قيمة الجمال مع الخيانة، وما قيمة العلم مع الكذب.. قد كنت أرى أن الرجل في الطليعة من حيث الخيانة، وأنه في الصدارة من حيث الكذب.. فإذا هذا الرأي مخالف للواقع كل المخالفة.

وكنت أظن أن المرأة إذا وصفت بالذكاء والعلم والثقافة والخلق؛ ترفعت عن كل ما تتعرض له معظم النساء من الدنايا.. زد على ذلك إذا استعانت هذه المرأة بالملبس المهيب الدال في بعض الأحيان على استقامة السلوك ونقاء السريرة.. ثم تبينت مع مرور الزمان أن ظني هذا لا يغني من الحق شيئا.

مدينة البعوث الإسلامية، 15 يناير 2015م
أحمد هريادي