مسائل البلاغة في سورة الفجر: دراسة إعجازية

بقلم: أحمد سترياوان هريادي
كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، جامعة الأزهر
fetryx_hariadi@yahoo.com

الملخص
من المقطوع به أن القرآن -بجانب كونه هداية ومنهج حياة- معجزة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبرى، وكثيرا ما يتردد في أسماعنا ذكر الإعجاز البلاغي للقرآن. فهذا البحث المتواضع سيحاول الباحث من خلاله أن يتحقق من قضية الإعجاز البلاغي، وذلك عن طريق دراسة مسائل البلاغة في القرآن العظيم. ونحن قد اخترنا «سورة الفجر» لتكون ميدانا فسيحا للوقوف على ذلك الإعجاز البلاغي، وذلك نظرا إلى أن هذه السورة تحمل نوعا فريدا في أداء رسالتها البلاغية المعجزة. زِدْ على ذلك أن أقوال العلماء فيها تطول، واختلافاتهم فيها تدوم، قديما وحديثا.
الكلمات الأساسية: القرآن، والبلاغة، والإعجاز البلاغي
ABSTRAK
Merupakan sesuatu yang tak terbantahkan bahwa Alquran, selain sebagai hidayah dan pedoman hidup, adalah mukjizat Nabi Muhammad yang terbesar. Dari kata mukjizat, kita seringkali mendengar istilah ‘mukjizat retoris Alquran’. Selanjutnya melalui artikel ini, penulis akan melakukan verifikasi terhadap eksistensi mukjizat retoris Alquran tersebut, dengan mengkaji beberapa permasalahan Ilmu Balagah di dalam Alquran. Kemudian penulis telah memilih Surat al-Fajr sebagai instrumen untuk kajian ini, karena Surat al-Fajr membawa risalah mukjizat retoris yang tidak dimiliki surat-surat lainnya. Apalagi jika kita melihat perhatian khusus dari para ulama terhadap surat ini, baik dari para ulama klasik maupun modern.
Kata kunci: Alquran, Balagah, Mukjizat Retoris.
 التمهيد
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا وشفيعنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد..
فكم كتبا في البلاغة قديما وحديثا أُلِّفَتْ، وكم أوقاتا في تقعيدها ثم تطويرِها أُنفِقَتْ، وكم جموعا من العلماء فيها خاضوا فبحثوا فدققوا، وكم مراحل اجتازتْها لترسيخ جذورها حتى تؤتي أُكُلَها.. كل ذلك لا لشيء إلا للقرآن وحده، فلولاه لما كانت البلاغة، بل لما كانت العلوم الإسلامية والعربية كلها.
فعندما دقق العلماء أنظارهم إلى نظم القرآن وأسلوبه، بما فيه من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وإيجاز وإطناب، وقصر وفصل، وجدوا أنفسهم مغمورين في بحر من الأسرار، إذا هم في غمرتهم يتساءلون: «ما هذه العجائب؟!»، وما لبثوا في مزيج من الإعجاب والمهابة حتى اخترعوا علم المعاني. وكذلك شأنهم عندما نظروا إلى الصور البيانية للقرآن، فاخترعوا علم البيان. وكذلك علم البديع.
إذن، ما البلاغة إلا خادمة للتنزيل، فبِه قيمتها ارتفعت، ومنه قواعدُها استُخرِجتْ، ومن خلال البلاغة انجَلَتْ للتنزيل حقيقةُ الإعجاز. ولعل الإعجاز البلاغي -على ما يظهر لي- أبرز وجوه الإعجاز للقرآن([1])، حيث  رأينا جهودا جبارة لعلمائنا في كشف هذا النوع من الإعجاز، منذ نعومة أظفار علم البلاغة في القديم  إلى يومنا هذا، ولا تزال..
أضف إلى ذلك ظهور التفاسير القيِّمة المَعنِيَّة بنظم القرآن وأسلوبه في العصر الحديث، أمثال: «التحرير والتنوير» للعلامة ابن عاشور، و«في ظلال القرآن» للأستاذ سيد قطب، و«التفسير البياني للقرآن الكريم» للدكتورة عائشة عبد الرحمن، وغيرها من التفاسير. ولا شك أن ذلك دليل على أن الإعجاز البلاغي أبرز وجوه الإعجاز، وأن ميدانا لاكتشاف إعجازٍ أبهرَ وأقنعَ -كما فعل الأستاذ سيد قطب على سبيل المثال- ما زال فسيحا ممتدا لا يُعرَف له مصير.
وعلى هذا، نستطيع أن ننحصر كلامنا في ثلاث نقاط مهمة: القرآن، والبلاغة، والإعجاز البلاغي.
وهذا البحث المتواضع سيحاول الباحث من خلاله أن يتحقق من قضية الإعجاز البلاغي، وذلك عن طريق دراسة مسائل البلاغة في القرآن العظيم. ونحن قد اخترنا «سورة الفجر» لتكون ميدانا فسيحا للوقوف على ذلك الإعجاز البلاغي، وذلك نظرا إلى أن هذه السورة تحمل نوعا فريدا في أداء رسالتها البلاغية المعجزة.. زِدْ على ذلك أن أقوال العلماء فيها تطول، واختلافاتهم فيها تدوم، قديما وحديثا..
وسيدور بحثنا -بمشيئة الله تعالى وتوفيقه- حول المباحث التالية:
1-    المبحث الأول: ماهية الإعجاز البلاغي وطابعه ونوع خدمته للتنزيل
2-    المبحث الثاني: العرض الإجمالي لسورة الفجر فكرا وتصويرا
3-    المبحث الثالث: من المسائل البلاغية في سورة الفجر
وفي خاتمة البحث سنورد -بإذن الله تعالى- النتائج التي وصلنا إليها. والله تبارك وتعالى أسأل أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا له، وأن يكتبه في ميزان حسناتنا.. اللهم آمين.
البحث
المبحث الأول: ماهية الإعجاز البلاغي وطابعه ونوع خدمته للتنزيل
1-    ماهية الإعجاز البلاغي للقرآن
ليعلم القارئ أننا لا نريد أن نطيل كلامنا عن الإعجاز بما فيه من اختلافات واسعة المدى لعلمائنا في القديم أمثال: هل الإعجاز وقع في الإنس دون الجن؟ هل إعجاز القرآن يعلم ضرورة أم لا؟ هل الكتب المنزلة غير القرآن معجزة؟ إلى آخر تلك الأسئلة والاختلافات فيها، ما إن خُضْنَا فيها، فمن الممكن أن لا نصل إلى الغاية المرجوة من بحثنا. وبناء على ذلك، أرى أننا -في صدد هذا المبحث- يكفينا ما يهمنا من تعريف موجز لكل من الإعجاز والبلاغة والإعجاز البلاغي للقرآن.
فالإعجاز لغة من «أعجز فلانٌ: سبَقَ فلم يُدرَك. وأعجز الشيءُ فلانًا: فاته ولم يُدرِكْه. ويقال: أعجزه فلانٌ وأعجز صيَّره عاجزا»([2]). ومن المفهوم اللغوي للإعجاز ترى أنه تجمَّعَ فيه كلُّ أنواع القصور عن محاكاة المُعجِز لمن وقع عليه الإعجاز. وعن المعجِزة يقول صاحب القاموس: «ومعجزة النبي صلى الله عليه وسلم ما أعجز به الخضمَ عند التحدي.. والهاء للمبالغة»([3]). أما المعجِزة في الاصطلاح فهي: «أمر خارق للعادة، ومقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة»([4]).
وبعد هذا العرض اليسير لمفهوم الإعجاز لغة واصطلاحا، نشرع مباشرة في الكلام عن مفهوم البلاغة. فالبلاغة لغة من «بَلُغَ يَبلُغُ بلاغةً: فَصُحَ وحَسُنَ بيانُه. فهو بليغ. والبلاغة: حسن البيان وقوة التأثير»([5]). وأما اصطلاحا فقد عرفها صاحب الإيضاح بقوله: «مطابقته (أي الكلام) لمقتضى الحال مع فصاحته»([6]).
ذلكم تعريف كلٍّ من الإعجاز والبلاغة، ولعلنا بعد هذا نستطيع أن نسوق لك مفهوما نطمئن إليه للإعجاز البلاغي للقرآن. فعندما يتمكن في أذهاننا أن إعجاز القرآن هو إثبات القرآن عجز الخلق أجمع عن محاكاته فضلا عن الإتيان بمثيله، يتمكن في أذهاننا أن الوصف لإعجاز القرآن بالبلاغة يصور لنا شيئا جليا لما نقصده من ماهية الإعجاز البلاغي ألا وهي: إثبات القرآن عجز الخلق أجمع عن محاكاته فيما يتعلق بالبلاغة وما تحمله البلاغة من معان وملاحق. فدخل في البلاغة عناصرها الثلاثة من المعاني والبيان والبديع، ودخل فيها تجسيدها الحي من النظم الفريد، الذي يبرز لنا أسرار القرآن البلاغية، وتشخيصها المتصرف من الأسلوب الساحر، الذي يبدي لنا قمة الجمال للتعبير القرآني.
2-    طابع الإعجاز البلاغي
وأما طابع هذا النوع من الإعجاز فإننا نستطيع إدراك كنهه واقتفاء آثاره من خلال تتبعنا لطابع الإعجاز على العموم أولا، ثم طابع نظم القرآن وأسلوبه ثانيا.
فعن طابع الإعجاز العامة يقول السيوطي: «وهي (أي المعجزة) إما حسية وإما عقلية.. وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة (أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم) عقلية لفرط ذكائهم، وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة -لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة- خصت بالمعجزة العقلية الباقية، ليراها ذوو البصائر، كما قال صلى الله عليه وسلم: مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أخرجه البخاري»([7]).اهـ
ومن خلال ما قاله السيوطي نستنتج أن طابع الإعجاز القرآني إنما يتحقق لذوي العقول الرشيدة، والبصائر النافذة، فإنك إذن لن تعرف قيمة القرآن الحقة إلا حين أعملت عقلك وفتحت بصيرتك، فتقف على عظمة القرآن، وأنت أمام عظمته حائر عاجز زائل. ومن ثَمَّ، فإن الإعجاز القرآني لا يعلم كنهه، ولا يباشر عظمته، ولا يدرك قيمته؛ إلا من يملك قلبا عقولا ولسانا سؤولا.
 أما طابع نظم القرآن وأسلوبه، فإننا نستطيع إدراك كنهه من أحوال الطبيعة التي نزل فيها القرآن. فقد قرأنا في كتب الأدب وعلوم القرآن أن العرب -وفي مقدمتهم قريش- بلغوا وقت نزول التنزيل قِمَّةً من الفصاحة والبلاغة في منظومهم ومنثورهم، حيث كانوا يتباهون بما عندهم من ملكات عجيبة في اللغة والأدب. وما ندوات أدبية عقدوها في سوق عكاظ وغيره إلا قطعة يسيرة تُمثِّل ما كانوا عليه من تمكُّن لا يعرف له مثيل.
فالكتب الأدبية تحكي لنا أن الشعراء العرب كانوا يحتكمون إلى النابغة الذبياني، وتحكي لنا كيف كان النابغة يفضل بعضَهم على بعض، غير أنها قليلة العناية بما عليه قريش -التي نزل التنزيل بلغتها- من زعامتهم في ضروب المنظوم وصنوف المنثور على حد سواء، فقل أن نجد مآثرهم الأدبية الرفيعة.
وإلا أين هي المآثر الأدبية للوليد بن المغيرة الذي قال هو عن نفسه: «فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا.. وواللهِ إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته»([8])؟!
إن ما قاله الوليد هذا ليُبدِي لنا إلمامَه الفائقَ بضروب المنظوم وصنوف المنثور، ويُشعِرُنا بلباقة قريش -عموما- وإمارتها في اللغة الأدب، مما جعلها مستحقة أن ينزل التنزيل بلغتها. أليس هذا المقال لأصدق دليل على أنهم وقت نزل الوحي أساطين الفصحاء والبلغاء؟! أليس هذا المقال لأوضح دليل على أنهم فحول البيان من أهل صناعة اللسان؟!
ومما سبق عرفنا إذن أن البيئة التي نزل فيها التنزيل كانت بيئة متميزة بتقدم أفرادها في الفصاحة والبلاغة، وفي نفس الوقت نزل القرآن بأسلوب لا عهد لأفرادها به، أسلوب منفرد جملة وتفصيلا، لا هو بمنظوم ولا بمنثور. أجل.. فاجأ القرآن العربَ بهذا الأسلوب المنفرد، أضف إلى ذلك أن القرآن تحداهم أن يأتوا بمثله، وأضف كذلك أنه لم يسمع أن أحدا عارض التنزيل إلا وقد خاب عند أول وهلة.
ولله در شيخنا الزرقاني عندما يقول: «وهل أتاك نبأ الخصم إذ هموا أن يعارضوا القرآن؟ فكان ما أتوا به باسم المعارضة لا يخرج عن أن يكون محاولات مضحكة مخجلة، أخجلتهم أمام الجماهير، وأضحكت الجماهير منهم؛ فباءوا بغضب من الله وسخط من الناس، وكان مصرعهم هذا كسبا جديدا للحق، وبرهانا ماديا على أن القرآن كلام الله القادر وحده، لا يستطيع معارضته إنسان ولا جان، ومن ارتاب فأمامه الميدان!» ([9]).
وهنا نستنتج أن طابع الأسلوب القرآني هو انفراده عما سواه، فقد جاء على نمط كلام العرب بدءا من الحروف التي تكونت منها كلماتهم، ثم الكلمات التي تألفت منها تراكيبهم، جملة وتفصيلا، لكن ماذا حدث؟ أجل.. لقد افتقد العرب أنفسهم عندما حاولوا الدنو من أسلوب التنزيل، ذلك على الرغم من اتحاد المنبع وهو كلام العرب، إلا أن الأسلوب القرآني قد أعجزهم عن الدنو منه، فضلا عن محاكاته.
نعم، أسلوب القرآن أسلوب منفرد تمام الانفراد! ومن هذا الانفراد استُخرِج ما يميز الأسلوب القرآني المعجز عن غيره أمثال: مسحته اللفظية، وإرضاؤه العامة والخاصة، إقناعه العقل وإمتاعه العاطفة، وقصده في اللفظ مع وفائه بالمعنى إلى آخر تلك المميزات([10]). وكذا شأنهم في نظم القرآن.
3-    نوع خدمة الإعجاز البلاغي للقرآن
أما نوع خدمة الإعجاز البلاغي للتنزيل فإنه يتجلى أولا للإثبات والإبداء بأن التنزيل من عند الله حق، فلا هو من صناعة محمد صلى الله عليه وسلم، لمفارقة القرآن طابع كلام النبي -وهو سيد الفصحاء والبلغاء مطلقا- جملة وتفصيلا، ومن ثم فرسالة جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أوله إلى آخرها حقّ.
ونحن عن مفارقة القرآن طابع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، نستحسن ما قاله أديب الأزهر المرحوم الدكتور محمد رجب البيومي: «وهذا النبي الكريم -الذي تحدر الوحي الإلهي على قلبه ليكون من المرسلين- مع اشتهاره بالفصاحة الخالبة، والقول المبين؛ بحيث أصبح سيد البلغاء في عصره كان ذا أسلوب بياني يبتعد عن أسلوب القرآن ابتعادا تتسع مسافته أمام الدارسين؛ بحيث لا يختلط ما يصدر عنه من قول مبدع بما يتنزل عليه من بيان معجز، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن القرآن نمط إلهي ليس في طوق البشر محاكاته، ولو جاز لأحد من البلغاء أن يدنو منه لجاز لرسول الله -وهو أفصح القائلين قاطبة- أن يأتي في حديثه النبوي وبيانه الخطابي بما يقرب مما يصدع به الوحي! وقد عقد الناقدون أبوابا تحليلية للبيان النبوي نطقت باختلاف طابعه الأدبي عن طابع القرآن، وكان ذلك دليلا ساطعا على أن النبي الأمين لا يلفق أو يخترع فيما يبلغ من وحي، وكيف وهو يأتي الناس بما ليس في طوق إنسان كائنا من كان!»([11]).      
ثم يتجلى نوع خدمة الإعجاز البلاغي ثانيا في إبصار الناس مراد رب العالمين في التنزيل، وإيصاله إلى أعماق القلوب، وإشعار الناس أمام ربهم بمزيج من العظمة والمهابة.. أضف إلى ذلك أن خدمته تتجلى في كون الإعجاز البلاغي مفتاحا تفتح به أبواب كثيرة من وجوه الإعجاز للقرآن. ولعمري، أنى يكون لعلماء الطبيعة في العصر الحديث -عندما يحاولون تفسير القرآن تفسيرا علميا- فهمُ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾([12])، وقوله :﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾([13])؛ فهما صحيحا مؤديا إلى الإعجاز العلمي إذا لم يكونوا ذوي بضاعة في علم البلاغة ليقفوا على أسرار التنزيل البيانية أولا، ثم أسراره العلمية ثانيا؟! هيهات! ذلك شيء لا سبيل إليه.
ومن ثم، أشار العلامة ابن خلدون إلى ثمرة علم البلاغة بقوله: «واعلم أن ثمرة هذا الفن هي في فهم الإعجاز من القرآن، لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال، منطوقة ومفهومة، وهي أعلى مراتب الكمال، فيما يختص بالألفاظ في انتقائها، وجودة رصفها وتركيبها. وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يُدرِك بعضَ الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته، فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه»([14]).
ونحن -بمشيئة الله- سنحاول في مبحثنا اللاحق إبراز شيء من الإعجاز البلاغي للقرآن، من خلال دراستنا لمسائل البلاغة في سورة الفجر، على هذا الأساس الذي قدمناه في هذا المبحث.
المبحث الثاني: العرض الإجمالي لسورة الفجر فكرا وتصويرا
1-    توطئة
يشهد الله أني في غاية من الذهول والحيرة عندما أغوص في مبحث عظيم شأنه جليل مغزاه، ويعلم الله أني أخجل منه ومن الواقع لعدم حيائي عندما أريد أن أحدثكم عن مراد رب العالمين في كتابه المعجز. أضف إلى ذلك أني حديث العهد بالعربية، وأنا عندئذ واقف أمام كلام ليس في طوق إنسان محاكاته كائنا من كان.. فكيف إذن يُتَمَنَّى مني شيء في حديثي يقرب من الصواب، فضلا عن الصواب ذاته؟! فهل يتصور أن يأتي الرضيع بما يأتي به الرجال؟! هيهات..! لكن مهما يكن من أمري، فإني أومن بأن سنة الله جارية كما هي هي، لا تبديل فيها، أومن بأنه لا بد من تدريب دؤوب على الفهم الصحيح والذوق السليم، مهما يكن الصعب مرتقيا. وإلا، فحَتَّى متى نبقى جاهلين؟!
وبناء على ذلك أشرع مباشرة -مع خجلي-  في الكلام عن سورة الفجر فكرا وتصويرا.
فمن مستلزمات الكلام حين نريد فهمه فهما صحيحا أن نعرف من يُخاطَب به، وندرك وقت خطابه، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نأتيك بأفكار سورة الفجر وتصويراتها على وجه يقارب الصحة، ما يعيننا على فهم صحيح للسياق، فنبصر به الأسرار البلاغية في هذه السورة الكريمة.
فسورة الفجر -كما قال صاحب التفسير الوسيط- «من السور المكية الخالصة، بل هي من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من سور قرآنية، فهي السورة العاشرة في ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وقبل سورة الضحى، أما ترتيبها في المصحف فهي السورة التاسعة والثمانون. وعدد آياتها ثلاثون آية في المصحف الكوفي، واثنتان وثلاثون في الحجازي، وتسع وعشرون في البصري»([15]).
ومما سبق يتضح لنا أن سورة الفجر من بواكير سور التنزيل، وأنها -من غير شك- نزلت في مكة، ومعروف أن مكة موطن لقريش، وأنت قد عرفت -من خلال مبحثنا السابق- ما عليه قريش من إمارتها لكل من ضروب المنظوم وصنوف المنثور، ومن ثم نزل التنزيل بلغتها ليتحداها، فإذا كانت قريش قد عجزت عن أن تأتي بمثله، وهي في قمة من الفصاحة والبلاغة، فما بالك بغيرها؟! هيهات!
وكذلك يجب أن نعرف أن للقرآن المكي طابعا خاصا يفارق المدني، وقد عقد العلماء بحثا في طابع الأسلوب القرآني المكي يعيننا على ملامسة الأسرار البلاغية في سورة الفجر، ومما تفرد به الأسلوب المكي من المدني -كما قال الدكتور نور الدين عتر- «أنه يغلب عليه قصر الأيات والصور، وقوة التعبير والتناغم الموسيقي، وكذلك يتميز بكثرة الفواصل القرآنية وقصرها، وتنوعها بما يتناسب مع المعاني والمواقف والسور. وبكثرة أسلوب التأكيد، والاعتناء بوسائل التقرير أي ترسيخ المعاني وتثبيتها، فكثر في المكي القسم، وضرب الأمثال، والتشبيه، وتكرار بعض الجمل أو الكلمات. وبأن الآيات المكية يكثر فيها التجسيم الحسي، وإضفاء الحركة وخواص الحياة على الأشياء، ولا سيما في مشاهد القيامة، وأهوال النار، وبيان أحوال الجنة والنار، وكذلك القصص»([16]).
أجل.. إن هذا الطابع لينطبق تمام الانطباق في سورة الفجر، ففي هذا العرض الإجمالي سنرى -بمشيئة الله- تلك الميزة الأسلوبية.
2-    العرض الإجمالي لأفكار السورة
بدئت سورة الفجر بقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ. هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾([17]).
فالنظرة العامة في مستهل السورة تبدي لنا أنها حافلة بالأقسام، فالله تبارك وتعالى أقسم بخلقه بدءا من الفجر، ثم الليالي العشر، ثم الشفع والوتر، ثم الليل إذا يسري. وعلى كثرة ما عثرنا عليها من اختلاف العلماء في تفاسيرهم حول تلك الأشياء المذكورة، فإنها -على الجملة- تدل على مكانتها العظيمة عند الله تعالى، وعلى تكريم الله للمؤمنين الذين يتشرفون بما أقسم به ربهم، فيخلصون توحيده، ويحسنون عبادته. إلا أنه تعالى لم يذكر صراحة جواب القسم كما في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾([18])، ولكنه جاء بالاستفهام التقريري: «هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ؟!»، فكأنه يقول: «إن في ذلك قسما لذي عقل فينقاد خاضعا عابدا لرب العالمين».
ولعل السر في ذلك أن الله تعالى قصد بهذا القسم -كما تقول الدكتورة بنت الشاطئ- «اللفت  إلى المقسم به، بما يغني عن تأول جواب محذوف أو غير محذوف، وقد تمت آيات القسم بهذا السؤال الصادع: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ؟! فلم يعد السياق في حاجة إلى تكملة أو جواب»([19]).
بعد لفت الأنظار والانتباه إلى المقسم به -توطئة لما سيتكلم عنه من أمور مهمة تتعلق بالمؤمنين والكافرين- شرع سبحانه في عرض مواضع الاعتبار بذكر ما عليه الطغاة المتكبرين من قوة جبارة، وما تعرضوا له من الهلاك الفظيع، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾([20]).
ثم تحدث سبحانه عما عليه هؤلاء المشركون من فهم للحياة سقيم، فظن في البسط تكريما، وفي القبض إهانة، فرد سبحانه عليهم ردا قويا بما يجسد هذا الفهمَ السقيمَ من الأنانية الباغية، والنزعة الحيوانية، والتكالب الشديد على المال، قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ، إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ.. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَهَانَنِ.. كَلَّا! بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾([21]).
وبعد ذلك سلك سبحانه مسلك التذكير بأهوال الآخرة ومشاهدها الرعيبة فقال: ﴿كَلَّا! إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ.. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى؟! يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي..! فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ. وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾([22]).
قال الأستاذ الإمام محمد عبده: «بعد أن ذكر حال الإنسان وقد خلى وطبعه وحرصه وجشعه، واستولت عليه رغبات جسمه، وخرجت به عن سلطان العقل وحكمه، ثم ذكر عاقبته وما يصير إليه في الحياة الأخرى، انتقل بنا إلى ذكر الإنسان إذا ارتقى عن ذلك الطبع، وترفَّع عن مراتع الحيوانية، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحانية، فكان في الغنى شاكرا، لا يتناول إلا الحق، ولايمنع صاحب الحق حقا، ويعنى بحال اليتيم، ويطعم المسكين، ويحمل غيره على الاقتداء به فيما هو خير له ولمن حوله، وكان في الفقر صابرا، لايمد يده إلى ما ليس من حقه، ولا يأتي الدنية، ولا يطلب لغيره الرزية، ولا يغفل -مع فقره- شأن اليتيم، ولا يغفل عما يألم له المسكين.. فإذا لم تمكنه المعونة بالمال، أمكنته المساعدة بالمقال»([23]).
وبهذا يستحق هذا الأنسان وصف المطمئن، سواء في الدنيا أو في الآخرة. ومن ثم، ناداه ربه يوم القيامة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾([24]).
3-    العرض الإجمالي لتصويرات السورة
قال صاحب الظلال: «في بعض مشاهدها جمال هادئ رفيق ندي السمات والإيقاعات، كهذا المطلع الندي بمشاهده الكونية الرقيقة، وبظل العبادة والصلاة في ثنايا تلك المشاهد.. ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ...
وفي بعض مشاهدها شد وقصف. سواء مناظرها أو موسيقاها كهذا المشهد العنيف المخيف: ﴿كَلَّا! إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ.. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى؟! يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي..! فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ. وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ...
وفي بعض مشاهدها نداوة ورقة ورضى يفيض وطمأنينة. تتناسق فيها المناظر والأنغام، كهذا الختام: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي...
وفيها إشارات سريعة لمصارع الغابرين المتجبرين، وإيقاعها بين بين. بين إيقاع القصص الرخي وإيقاع المصرع القوي: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.
وفيها بيان لتصورات الإنسان غير الإيمانية وقيمه غير الإيمانية. وهي ذات لون خاص في السورة تعبيرًا وإيقاعًا: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ، إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ.. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَهَانَنِ...
ثم الرد على هذه التصورات ببيان حقيقة حالهم التي تنبع منها هذه التصورات. وهي تشمل لونين من ألوان العبارة والتنغيم: ﴿كَلَّا! بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا...
ويلاحظ أَن هذا اللون الأخير هو قنطرة بين تقرير حالهم وما ينتظرهم في مآلهم. فقد جاء بعده: ﴿كَلَّا! إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا.. الخ. فهو وسط في شدة التنغيم بين التقرير الأول والتهديد الأخير!
ومن هذا الاستعراض السريع تبدو الألوان المتعددة في مشاهد السورة. وإيقاعاتها في تعبيرها وفي تنغيمها.. كما يبدو تعدد نظام الفواصل وتغير حروف القوافي، بحسب تنوع المعاني والمشاهد. فالسورة من هذا الجانب نموذج واف لهذا الأفق من التناسق الجمالي في التعبير القرآني. فوق ما فيها عمومًا من جمال ملحوظ مأنوس!»([25]).اهـ
وبعد، فذلك عرض إجمالي لسورة الفجر سواء من الناحية الفكرية أو التصويرية. ولعل هذا العرض اليسير يعيننا على فهم السياق، فنستخرج من هذه السورة بعض الأسرار البلاغية، وبعض النماذج للتصوير الفني، وكذلك بعض الأمثلة للتناسق الفني فيها.
كما لا يخفى علينا من الآيات السابقة أنه سبحانه استخدم السجع في عرضه السريع للقصة، وكذلك في مستهل السورة، فهل لهذا السجع دور في مواءمة الغرض؟ وهل استخدام السجع في هذه الآيات يزيد في رسالة البيان إيضاحا وتلوينا وإيحاء؟ وما هذه الزيادة؟ وما إفادتهما البلاغية؟ وكذلك مما يثير الانتباه أن جاء الأسلوب القرآني بالمجاز في قوله: «والليل إذا يسر». وفي قوله «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» نوع من الاستعارة والكناية؛ فما السر البلاغي فيهما؟ بعض أسئلة نحاول الإجابة عنها -بمشيئة الله تعالى- في المبحث التالي.
المبحث الثالث: من المسائل البلاغية في سورة الفجر
1-    السر في تنكير الليالي العشر
إن الأشياء التي أقسم بها سبحانه جاءت معرفة إلا الليالي العشر، فلماذا عدل سبحانه عن التعريف؟ ولعلمائنا أجوبة شتى في هذا الصدد. يقول صاحب الكشاف: «فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية»([26]).
أما صاحب التحرير والتنوير فيقول: «وَعُدِلَ عن تعريفها مع أنها معروفة ليتوصل بترك التعريف إلى تنوينها المفيد للتعظيم وليس في ليالي السنة عشر ليال متتابعة عظيمة مثل عشر ذي الحجة التي هي وقت مناسك الحج، ففيها يكون الإحرام ودخول مكة وأعمال الطواف، وفي ثامنتها ليلة التَّرْوِيَةِ، وتاسعتها ليلةُ عرفة وعاشرتها ليلة النحر»([27]).
هذا مقتطف من مقولات علمائنا، وهناك أقوال كثيرة لم نذكرها لتشابهها، ومن ثم نكتفي نحن بمقولة من الأقدمين، وأخرى من المحدَثين. فمما سبق ترى وجه الشبه في كلتا المقولتين، إلا أننا لم نجد منهما بيانا يشبع نهماتنا لعدم تحقيق ذلك البيان وجها من وجوه الإعجاز. ألا ترى أن كلتا المقولتين تدور حول إبراز سر التنكير الداخلي لليالي العشر، من إفادته التعظيم والخصوصية؟! نعم، لقد أشار الزمخشري ميزة خارجية في قوله: «ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية»، لكنه لم يكن كافيا في إبداء ما لهذا التنكير من سحر البيان المعجز.   
إذن بقيت هناك أسئلة لم نجد لها جوابا شافيا منها: أين هي إفادة تنكيرها للمخاطبين العرب أثناء نزول هذه السورة؟ فهل في تنكيرها زيادة للسحر البياني فازدادوا عجزا عن الإتيان بمثلها؟
لقد قلنا فيما سبق أن سورة الفجر من بواكير السور القرآنية في ترتيب النزول، ومن ثم فالكلام موجه إلى العرب في مكة، وكانوا حينئذ على شركهم الباغي، وعلى ما يحمل ذلك الشرك من تصورات خاطئة وتصرفات ضالة، وهذا الكلام المنزل من السماء -بجانب كونه هدًى للناس- يحمل نوعا فريدا من الإعجاز.
فمما يُعين على إبراز الإعجاز في سورة الفجر -لا سيما في هذه الأقسام الأربعة- هو تنكير الليالي العشر وحدها. ولك أن تسأل: أين وجه الإعانة على إبراز الإعجاز؟ فنقول لك: وجه الإعانة يتجلى في النغم الهادئ المتولد من هذا التنكير، فإن التعريف في «الليالي العشر» ليشعرنا بشيء من العجالة والجفاف، لما في قولك «والليالي العشر» تعاقُب اللامين قبل ياء «الليالي» من سكون فحركة، وحركة فسكون بعدها. بخلاف قولك «وليال عشر»، فإن التنكير فيها جمال الإيقاع ما يثير إلى نفس السامع الهدوءَ والاطمئنان، وهذا ليناسب الجو الذي يساق له الكلام من الهدوء واللطف والأنس، عندما يقول سبحانه: «وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ..».
أضف إلى ذلك أن المقصد من تطويل القسم بأشياء -كما يقول العلامة ابن عاشور- «التشويق إلى المقسم عليه»([28]). فهذا التشويق المتسم بالجو الهادئ الشفيف له دوره في إملاء نفوس العرب إعجابا، ومشاعرهم إقبالا على ما ستتحدث عنه السورة الفجر فيما بعد من أمور عظام؛ أمثال الاتعاظ بمصارع الغابرين، والتنبيه على تصرفات المشركين الضالة، والتذكير بأهوال القيامة الرهيبة. ولما كانت نفوسهم في فيض من الإعجاب، كانت بواعث المعارضة في النفوس تنطمس شيئا فشيئا. وما كانوا إلا أن يتلذذوا بالاستماع إلى التنزيل، ويتشوقوا إلى ما سيأتي بعده من بيان ساحر معجز، فالقرآن في نفوسهم يعلو، وهم عنه عاجزون. 
إذن نستنتج أن التنكير في «وليال عشر» له دور في استمالتهم إلى سحر البيان القرآني، وذلك عن طريق أخذ أسماع العرب بما في هذا التنكير من إيقاع مثير لطيف يتولد منه، ونحن في هذا الصدد نستحسن ما قاله الأستاذ سيد قطب: «إن في القرآن إيقاعا موسيقيا متعدد الأنواع، يتناسب مع الجو ويؤدي وظيفة أساسية في البيان»([29]). وكذلك نستنتج أن في ذلك التنكير دقة كأشد ما تكون الدقة للتعبير القرآني، وروعة كأشد ما تكون الروعة.. فيا له من دقة! ويا له من روعة!  
2-    السر البلاغي في تقييد الليل بالظرف
لقد تعددت أقوال العلماء في الأوجه البلاغية في تقييد الليل بإذا يسري، في قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ»، ونحن نسوق لك هذه الآراء لنعرف مدى عناية علمائنا على إبراز الوجه البلاغي لهذا التقييد.
قال البيضاوي: «والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة»([30]). ومثله ما قاله أبو السعود: «والتقييد لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة أو يسري فيه من قولهم: صَلَّى المقامُ أي صلي فيه وحذف الياءِ اكتفاءً بالكسرِ»([31]).
وأما الألوسي فرأيناه آتيا بشيء من التفصيل عندما يقول: «والظاهر أنه (أي: والليل إذا يسري) مجاز مرسل أو استعارة ووجه الشبه كالنهار. و«إذا» -على ما صرح به العلامة التفتازاني في التلويح- بدلٌ من الليل. وخروجها عن الظرفية مما لا بأس به. أو ظرف متعلق بمضاف مقدر وهو العظمة على ما اختاره بعضهم. والإقسام بذلك الوقت أو تقييد العظمة به لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة. أو يسري فيه -على ما نقل أبو حيان عن الأخفش وابن قتيبة- كقولهم: صلَّى المقامُ أي صلى فيه على أنه تجوز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان»([32]).
وقال ابن عاشور: «وتقييد الليل بظرف إذا يَسْرِ لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجدَ»([33]).
وبعد، فهذه نقول من علمائنا حول آرائهم في تقييد الليل بالظرف في ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. فالنظرة في تلك النقول ترينا مدى محاولاتهم الدؤوب في كشف سر ذلك التقييد، خاصة ما يتعلق بسره الداخلي. فجزاهم الله تعالى خير الجزاء.
إلا أننا لم نر في تلك النقول ما أفاد هذا التقييد شيئا له شأنه في أداء رسالته من السحر البياني في نفوس السامعين، لا سيما في نفوس العرب وقت نزول هذه السورة. وعلى ذلك نحاول في هذا الصدد أن نكشف ما أثر سحرُ هذا التقييد في نفوسهم.
ألا ترى أن الليل قيد بإذا يسري، والسُّرَى في لغة العرب -كما يقول صاحب القاموس- «سير عامّةِ الليل»([34])؟! ألا ترى أن التقييد يجعل الليل في أخيلة السامعين خلقا حيا يتصرف تصرف الأحياء؟! ألا ترى أن الليل قبل هذا التقييد ظاهرة طبيعية جافة مخيفة؟! ألا ترى أن في تقييده بالظرفية دليلا مشرقا على تناسق البيان القرآني كأجمل ما يكون التناسق؟! فقبله الفجر المتسم بالطمأنينة والأنس والنشاط، وهذ الليل المقيد بالسُّرَى.. يثير في نفس السامع أنه -كان قبله مدارا للخوف والقلق- أصبح أنيسا رؤوما يعاطفه.. فلا مقام لليأس من روح الله، ولا سبيل إلى التمادي في الأحزان، إن هذا الليل ليسري معك متعبدا مسبحا ساجدا للواحد الأحد.
ما هذا السحر؟! لقد حقق هذ التقييد إفادة المعنى الجم.. لقد نجح هذ التقييد في تحقيق السحر البياني للقرآن، فما كان العرب إلا أن يزدادوا ولوعا بالاستماع إلى هذ البيان المعجز، وإلحاحا فيما سيأتي بعده من بيان أكثر روعة وجمالا.
3-    البلاغة في قوله: «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ»
فالفاء في «فصبّ عليهم» فاء التعقيب. فالأقوام المتجبرة المذكورة في قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ» - تستحق نوعا من العذاب شنيعا فظيعا، لما عليها من الطغيان الجارف، والإكثارِ من الفساد. ولذلك جاءت فاء التعقيب في قوله: «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ». بل أكد سبحانه ذلك الاستحقاق بأنه راصد لهؤلاء الطغاة المتجبرين، ومسجل لإكثارهم من الفساد، فيقول: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ».
ذلك ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما. فلما كان سبحانه أراد شيئا من التفظيع في عذاب هؤلاء الطغاة، جاء سبحانه بتعبير: «فصب عليهم ربك سوط عذاب»، وجاء بتاكيد: «إن ربك لبالمرصاد». ونحن الآن نتساءل: لماذا أسند سبحانه الصب إلى العذاب؟ ولماذا وصف العذاب بالسوط؟ فما السر البلاغي في هذا الإسناد وذلك الوصف؟ وما السر البلاغي في قوله: إن ربك لبالمرصاد؟
ولعلمائنا كلامٌ عن الوجه البلاغي طويلٌ في هذا التعبير، ونحن نسوق لك بعضا من كلامهم.
يقول صاحب الإرشاد: «والتعبيرُ عن إنزالِه بالصبِّ للإيذانِ بكثرتِه واستمرارِه وتتابعِه فإنه عبارةٌ عن إراقةِ شيءٍ مائعٍ أو جارٍ مجراهُ في السيلانِ كالرملِ والحبوبِ، وإفراغِه بشدةٍ وكثرةٍ واستمرارٍ ونسبته إلى السوطِ مع أنه ليسَ من ذلكَ القبيلِ باعتبار تشبيهِه في نزولِه المتتابعِ المتداركِ على المضروبِ بقطراتِ الشيءِ المصبوبِ»([35]).
ويقول صاحب الكشاف مبينا ما يفيده ذكر السوط: «وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطاً كثيرة، فأخذهم بسوط منها»([36]).
أما العلامة ابن عاشور ففصل القول في هذا الباب كأحسن ما يكون التفصيل.
يقول فضيلته: «والصب حقيقته: إفراغ ما في الظرف، وهو هنا مُستَعار لحلول العذاب دفعة وإحاطته بهم كما يُصَبُّ الماء على المغتسل أو يصب المطر على الأرض، فوجه الشبه مركب من السرعة والكثرة ونظيره اسْتعارة الإفراغ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾([37]). ونظير الصب قولهم: شن عليهم الغارة.
وكان العذاب الذي أصاب هؤلاء عذابا مُفاجِئا قاضيا. فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارض مطر فما لبثوا حتى أطارتهم الريح كل مَطِير. وأما ثمود أخذتهم الصيحة. وأما فرعون فحسبوا البحر منحسِرا فما راعهم إلا وقد أحاط بهم.
والسوط: آلة ضرب تتخذ من جلود مضفورة تضرب بها الخيل للتأديب ولتحملها على المزيد في الجري. وعن الفراء أن كلمة سوط عذاب يقولها العرب لكل عذاب يدخل فيه السوط (أي يقع بالسوط) ، يريد أن حقيقتها كذلك ولا يريد أنها في هذه الآية كذلك. وإضافة سوط إلى عذاب من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي صب عليهم عذابا سَوْطا، أي كالسوط في سرعة الإصابة فهو تشبيه بليغ.
وجملة: إن ربك لبالمرصاد تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب إذا قُدِّر جواب القسَم محذوفا. ويجوز أن تكون جواب القسَم كما تقدم آنفا. فعلى كون الجملة تذييلا تكون تعليلا لجملة فصب عليهم ربك سوط عذاب تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن اللَّه ينصر رسله، وتصريحا للمعاندين بما عرض لهم به من توقع معاملته إياهم بمثل ما عامل به المكذبين الأولين. أي أن اللَّه بالمرصاد لكل طاغٍ مُفسِد.
وعلى كونها جواب القسَم تكون كناية عن تسليط العذاب على المشركين إذ لا يراد من الرَّصْدِ إلا دفع الْمُعْتَدِي من عدو ونحوه، وهو المقسم عليه وما قبله اعْتِرَاضًا تفنُّنًا في نظم الكلام إذ قُدِّمَ على المقصود بالقسَم ما هو استدلال عليه وتنظير بما سبق من عقاب أمثالهم من الأمم من قوله: ألم تر كيف فعل ربك بعاد إلخ.. وهو أسلوب من أساليب الخطابة إذ يجعل البيان والتنظير بمنزلة المقدمة ويجعل الغرض المقصود بمنزلة النتيجة والعلة إذا كان الكلام صالحا للاعتبارين مع قصد الاهتمام بالمقدم والمبادرة به.
والعدول عن ضمير المتكلم أو اسم الجلالة إلى ربك في قوله: فصب عليهم ربك سوط عذاب وقوله: إن ربك لبالمرصاد إِيمَاءٌ إلى أن فاعل ذلك ربه الذي شأنه أن ينتصر له، فهو مؤمل بأن يعذب الذين كذبوه انتصارا له انتصار الْمَوْلَى لوَلِيِّهِ.
والمرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرَّصَدُ، أي الجماعة المراقبون شيئا، وصيغة مفعال تأتي للمكان وللزمان كما تأتي للآلة، فمعنى الآلة هنا غير محتمل، فهو هنا إما للزمان أو المكان إذ الرصد الترقب.
وتعريف «المرصاد» تعريف الجنس وهو يفيد عموم المتعلِّق، أي بالمرصاد لكل فاعل، فهو تمثيل لعموم علم الله تعالى بما يكون من أعمال العباد وحركاتهم، بحال اطلاع الرصد على تحركات العدو والمغيرين، وهذا المثل كناية عن مجازاة كل عامل بما عمله وما يعمله إذ لا يقصد الرصد إلا للجزاء على العدوان، وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن الله لم يظلمهم فيما أصابهم به»([38]). اهـ
وبعد، فقد سقنا لك ما قاله العلامة ابن عاشور -مع طوله- لا لشيء إلا لنعرف الدقة البالغة في التعبير القرآني، والعناية الفائقة في كشفها من علمائنا. ومن خلال سرده ذلك رأينا التنزيل قد أحسن استعمال الاستعارة والكناية كأحسن ما يكون الاستعمال في إبراز المعاني الجليلة، واتساق هذه المعاني بالأغراض التي يساق لها الكلام.
أضف إلى ذلك أن في كلتا الاستعارة والكناية سحرا بيانيا، حيث أثار قوله تعالى: «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ» في نفوس السامع رهبةً لا قبل لها، لمَّا يتصور فجأةَ جمِّ العذاب بقوله: «فصب»، وفظاعته بقوله: «سوط». زد على ذلك أنه الآن يشعر بأن الرهبة قد بلغت منتهاها حيث يقول سبحانه فيما بعد: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ». وإذا كان هذا ما عليه السامع من الرهبة والقلق والعجز بهذا السحر البياني، أتحسب أنه سيفرغ وقتا للتفكير في محاكاة التنزيل؟ هيهات! فيا له من أناقة في التعبير! ويا له من قصد في اللفظ ووفاء بحق المعنى! ويا له من سحر بياني معجز!
4-    الدور البلاغي للسجع القرآني
ليعلم القارئ أننا لا نريد أن نخوض في معركة جدلية لا تعرف مصيرها، بين من قال بوجود السجع في الذكر الحكيم، وبين من قال بنفيه([39])؛ فذلك ليس من غرض بحثنا في شيء.. إنما نريد في هذا الصدد أن نبرز دور السجع القرآني في مواءمة الأغراض التي يساق لها الكلام، وزيادة الإيضاح والإيحاء في رسالة البيان.
فمهما تكن أقوال العلماء في قضية السجع القرآني الكريم تتشعب، فإننا نرى بجلاء الدورَ البلاغي للسجع القرآني في أداء رسالته البيانية من تقوية للمعاني، وتفخيم للألفاظ. زد على ذلك أن السجع القرآني يتميز بتنوع الإيقاعات، لا سيما في السورة التي نحن الآن بصدد البحث فيها.. فإنك ستجد السجع القرآني تارة يثير الإيقاع الهادئ الشفيف في موطن الهدوء والشفوف، كما مثله قوله تعالى:«وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ».
وتارة يثير الإيقاع الشديد الجاد في موطن الشدة والجد كما مثله قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ». وأنت لتشعر بشدة إيقاع «الدال» في أواخر الفواصل، والحديث حينئذ عن الاتعاظ والاعتبار بمصارع الغابرين، وأنت تعلم أن موطن الاعتبار لا بد فيه من الجد في إعمال العقل وإيثار العاطفة، حتى يكتمل الاعتبار على أوقع ما يكون في نفوس السامعين. وأنت ترى أن هذا السجع نجح في جعل كلام السماء متسقا بألفاظه التي تؤدي ما قصد من معناه.
ومن هذا العرض اليسير ألا يظهر لنا دور السجع القرآني في تقوية المعاني وتفخيم الألفاظ ومتانة التراكيب؟! فما عسى أن يفعل هؤلاء العرب أمام سحر هذا البيان المعجز إلا أن ينقادوا له ساجدين مبهورين..
الخاتمة
وبعد، فقد وصلنا إلى خاتمة بحثنا.. فالنظرة العامة فيما سقناه لك من مسائل البلاغة في سورة الفجر؛ ترينا أننا لم نسق لك إلا قليلا. فلو كُنَّا نقوم بسرد تلك المسائل كلها، مع ما عثرنا عليه من أقوال العلماء في كتبهم؛ لطال بنا الكلام، بل لاحتاج إلى كتاب مستقل يبحث فيها.
وكذلك لا ننسى أن نورد النتائج التي وصلنا إليها:
1-    علم البلاغة إنما وضع لإبراز ما للقرآن من إعجاز. فالإعجاز البلاغي يراد به إثبات القرآن عجز الخلق أجمع عن محاكاته، فيما يتعلق بالبلاغة وما تحمله البلاغة من معان وملاحق. ومن طابع الإعجاز البلاغي أنه يتحقق لذوي العقول الرشيدة، والبصائر النافذة. وكذلك أنه يتجلى بانفراد أسلوب القرآن عما سواه تمام الانفراد. أما نوع خدمته للتنزيل فإنه يتجلى أولا للإثبات والإبداء بأن التنزيل من عند الله حق، ويتحقق ثانيا في إبصار الناس مراد رب العالمين في التنزيل، وإيصاله إلى أعماق القلوب، وإشعار الناس أمام ربهم بمزيج من العظمة والمهابة.. أضف إلى ذلك أن خدمته تتجلى في كون الإعجاز البلاغي مفتاحا تفتح به أبواب كثيرة من وجوه الإعجاز للقرآن.
2-    إن سورة الفجر -وهي بواكير سور التنزيل التي نزلت في مكة- حافلة بمباحث علم البلاغة من المعاني والبيان والبديع، ما تبدي لنا سحر البيان القرآني المعجز الذي عجز العرب عن الإتيان بمثله.
3-    من مباحث علم المعني فيها تنكير الليالي العشر مع أن الأقسام الأخرى جاءت معرفة. وكذلك تقييد الليل بالظرفية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. وقد بيَّنَّا لك سرا بلاغيا لهذين التنكير والتقييد بشيء من التفصيل. ومن مباحث علم البيان فيها أن جاء التعبير القرآني بالاستعارة والكناية في قوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وقد جئناك بجمال البيان وكمال الاتساق اللذين يتولدان من هاتين الاستعارة والكناية. ومن مباحث علم البديع  فيها أن جاء التعبير القرآني مسجوعا كما مثله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾. فمهما يكن كلام العلماء في قضية السجع القرآني متشعبا، فإننا قد سقنا لك ما أفاد هذا السجع القرآني من تقوية للمعاني وتفخيم للألفاظ ومتانة للتراكيب.
وأيا ما كان الأمر، فإننا قد بذلنا أقصى طاقاتنا في إبراز وجوه الإعجاز البلاغي في سورة الفجر، وحاولنا أن نستدرك سحر هذا البيان المعجز ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. فهذه هي محاولتي البسيطة للبحث عن الحقيقة، فإن أصبت فحمدا لله، وإن أخطأت فحسبي أني قاصد الحق، ﴿إِنْ أُرِيْدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيْقِيْ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾.
ثبت المصادر والمراجع
·       الألوسي: شهاب الدين، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، دت.
·       ابن خلدون: عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: إيهاب محمد إبراهيم، القاهرة: مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع، 2009م.
·       ابن عاشور: محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، دت.
·       الباقلاني: أبو بكر محمد، إعجاز القرآن، تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة: دار المعارف، دت.
·       البيومي: محمد رجب، البيان القرآني، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، ط2، 2005م.
·       الحنفي: عصام الدين إسماعيل بن محمد، حاشية القونوي على تفسير الإمام البيضاوي، تحقيق: عبد الله محمود عمر، بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م.
·       دراز: محمد عبد الله، النبأ العظيم، كويت: دار القلم، ط10، 2008م.
·       الزرقاني: محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق: أحمد بن علي، القاهرة: دار الحديث، 2001م.
·       الزمخشري: محمود بن عمر، تفسير الكشاف، تحقيق: عبد الرازق المهدي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1997م.
·       سليمان: السيد إسماعيل، البرهان على إعجاز القرآن، القاهرة: المكتبة المصري الحديث، 2014م.
·       السيوطي: جلال الدين، معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق: علي محمد اليحاوي، القاهرة: دار الفكر العربي، دت.
·       ______، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: أحمد بن علي، القاهرة: دار الحديث، 2006م.
·       شحاته: عبد الله، علوم القرآن والتفسير، القاهرة: دار الاعتصام، 1980م.
·       طنطاوي: محمد سيد، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، القاهرة: دار السعادة، دت.
·       عبد الرحمن: عائشة، التفسير البياني للقرآن الكريم، القاهرة: دار المعارف، 2005م.
·       عبده: محمد، الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده (في تفسير القرآن)، تحقيق: الدكتور محمد عمارة، القاهرة: دار الشروق، 2009م.
·       عتر: نور الدين عتر، علوم القرآن الكريم، القاهرة: دار البصائر، 2012م.
·       العمادي: أبو السعود محمد بن محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، دت.
·       الفيروزآبادي: محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق: الدكتور يحيى مراد، القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، ط2، 2010م.
·       القزويني: الخطيب، الإيضاح في علوم البلاغة، شرح: الدكتور محمد عبد المنعم الخفاجي، بيروت: دار الجيل، دت.  
·       قطب: سيد، في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط39، 2011م.
·       ______، التصوير الفني في القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط16، 2002م.
·       مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط5، 2010م.
·       النيسابوري: أبو عبد الله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، القاهرة: دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1997م.


([1]) أفرد الإمام السيوطي كتابا ضخما يبحث في إعجاز القرآن، فإذا عدد وجوه الإعجاز يبلغ خمسة وثلاثين وجها، وهذا الكتاب سماه: «معترك الأقران في إعجاز القرآن» في ثلاثة أجزاء كبار، طبعة دار الفكر الفكر العربي. ومع ذلك، فإنه أحصى عدد وجوه الإعجاز  في مؤلفات سابقيه فبلغ ثمانين وجها. (انظر: جلال الدين السيوطي، معترك الأقران في إعجاز القرآن، 1/3). 
([2]) مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط5، 2010م)، ص606.
([3]) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاموس المحيط، تحقيق: الدكتور يحيى مراد، (القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، ط2، 2010م)، ص471.
([4]) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: أحمد بن علي، (القاهرة: دار الحديث، 2006م)، 2/303.
([5]) مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ص71.
([6]) الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، شرح: الدكتور محمد عبد المنعم الخفاجي، (بيروت: دار الجيل، دت)، 1/41.
([7]) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، نفس الصفحة.
([8]) أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، (القاهرة: دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1997م)، 2/596.
([9]) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق: أحمد بن علي، (القاهرة: دار الحديث، 2001م)، 2/279.
([10]) ومن أراد التوسع في تلك المميزات فليرجع إلى: محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، (كويت: دار القلم، ط10، 2008م)، ص143-152. ومحمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ص258-276. وعبد الله شحاته، علوم القرآن والتفسير، (القاهرة: دار الاعتصام، 1980م)، ص190-191. ونور الدين عتر، علوم القرآن الكريم، (القاهرة: دار البصائر، 2012م)، ص209-215. والسيد إسماعيل سليمان، البرهان على إعجاز القرآن، (القاهرة: المكتبة المصري الحديث، 2014م)، ص128-154. 
([11]) محمد رجب البيومي، البيان القرآني، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، ط2، 2005م)، ص16.
([12]) (سورة الحديد: 25).
([13]) (سورة النمل: 88).
([14]) عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: إيهاب محمد إبراهيم، (القاهرة: مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع، 2009م)، ص623-624.
([15]) محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، (القاهرة: دار السعادة، دت)، 15/381.
([16]) نور الدين عتر، علوم القرآن الكريم،  ص67. (بتصرف)
([17]) (سورة الفجر: 1-5).
([18]) (سورة العصر: 1-2).
([19]) عائشة عبد الرحمن، التفسير البياني للقرآن الكريم، (القاهرة: دار المعارف، 2005م)، 2/126.
([20]) (سورة الفجر: 6-14).
([21]) (سورة الفجر: 15-20).
([22]) (سورة الفجر: 21-26).
([23]) محمد عبده، الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده (في تفسير القرآن)، تحقيق: الدكتور محمد عمارة، (القاهرة: دار الشروق، 2009م)، 2/422-423.
([24]) (سورة الفجر: 21-26).
([25]) سيد قطب، في ظلال القرآن، (القاهرة: دار الشروق، ط39، 2011م)، 6/4902.
([26]) محمود بن عمر الزمخشري، تفسير الكشاف، تحقيق: عبد الرازق المهدي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1997م)، 4/749.
([27]) محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، (تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، دت)، 12/313.
([28]) المصدر السابق، 12/312.
([29]) سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، (القاهرة: دار الشروق، ط16، 2002م)، 101-102.
([30]) عصام الدين إسماعيل بن محمد الحنفي، حاشية القونوي على تفسير الإمام البيضاوي، تحقيق: عبد الله محمود عمر، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م)، 20/ 249.
([31]) أبو السعود محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، دت)، 9/153.
([32]) شهاب الدين الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، دت)، 30/121.
([33]) محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير،  12/315.
([34]) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص1239.
([35]) أبو السعود بن محمد العمادي الحنفي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، 9/155.
([36]) محمود بن عمر الزمخشري، تفسير الكشاف، 4/751-752.
([37]) (سورة البقرة: 250).
([38]) محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير،  12/322-323.
([39]) لقد أفرد الإمام الباقلاني في كتابه «إعجاز القرآن» فصلا سماه: «في نفي السجع عن القرآن»، يقوم من خلاله بإبطال القول بوجود السجع في القرآن الكريم عن طريق الجدل المنطقي. وقد قام الدكتور محمد رجب البيومي بالرد عليه في كتابه «البيان القرآني»، مبينا أن منهجه الجدلي لا يخضع للاستقراء الفاحص، بل يكتفي بالآراء العامة وإن عزت على التطبيق وحرنت على المثال. (انظر: أبو بكر محمد الباقلاني، إعجاز القرآن، تحقيق: السيد أحمد صقر، (القاهرة: دار المعارف، دت)، ص86-100). وانظر كذلك: محمد رجب البيومي، البيان القرآني، ص116-131).

0 comments:

إرسال تعليق